قاسم سليماني والقومية الفارسية في ايران


الکاتب: عرفان ثابتي

 

من المؤسف حقا أن تصرفات المثقف الايراني وخلال مئة عام السابقة كانت توحي دائما (إلا في قضايا نادرة جدا) أن الايرانيين هم أمة شجاعة، واعية، منصفة، مؤمنة، متحررة، عادلة وشريفة تمَ تقييدها بفعل غدر الزمان بالاستبداد وظلم الحكام السيئين والجاهلين والفاسدين وعدم الصلاحية، ومن واجب هؤلاء المثقفين أن يناصروا المظلومين الأبرياء ويتكلمون بالنيابة عنهم... لا يمكن انكار استبداد الحكام ورجالات الدولة، لكن هذا التبسيط والتقليل هو انكار للبديهيات واظهار الحقيقة، ويحرَف نظر الناس في عدم الالتفات الى ما في داخلهم.. إذا كنا نعتبر أن هذا النظام السياسي الفاسد هو مجرد واجهة لما يوجد في جوف الناس، هل كنا نغلو في حقيقة الأمر؟ هل يمكن لملايين الناس الذين يؤمنون بالعقائد الصادقة والعواطف النبيلة والعقلانية المحكمة والذين لا يلتفتون أبدا إلى حقيقة أنهم المستفيدين من الوضع الحالي عبر واسطات عدة، أن يتم حكمهم من قبل شرذمة جائرة قليلة؟ 

مصطفى ملكيان، عيوب وفنون المثقف، فصلية "نكاه نو" شتاء ٢٠١٧ 

بناء على هذا، يمكن القول أنّ الواجب الرئيسي للمثقف هو تصحيح العقائد الخاطئة، العواطف السلبية والمطالبات غيرالعقلانية للعامة وليس التبعية والانجراف خلفها. إن المثقف الايراني الحالي كان الحاكم هاجسه الدائم دون العامة. وعندما حاول هذا المثقف أن يتكلم عن المجتمع اعتبر نفسه منصة للعامة دون التأمل والنقد، فكانت تبعيةً من نتائجها على سبيل المثال تأسيس نظام الجمهورية الاسلامية في ايران.إن الحكم والنظام السياسي في أيّ بلد ما هو تبلورٌ لمآلات الشعوب وطباعها. وكما أن النظم على سبيل المثال النازية والفاشية في المانيا وايطاليا كانت منبثقة من ارادة شعوبها، فالجمهورية الاسلامية في ايران هي حصيلة عيوب ونواقص الايرانيين أنفسهم، وأن استمرار حكم هذا النظام إضافة على قدرته في بسط وتكريس سيطرته، لكن بنفس الحجم تعني عدم وجود نقد ذاتي لدي العامة والمثقف الفارسي على حد سواء.قاسم سليماني،


نتائج مقتل (الجندي الحاسر الرأس للولاية)


إن حماية الملايين من الايرانيين في الفضاء الافتراضي وكذلك في الواقع عن حياة قاسم سليماني، وهو من ضمن المتورطين في جرائم حرب في سوريا، جلبت الذهول إلى معارضيَ النظام في ايران. فإن من في المعارضة يعتبرون أن هذا الدفاع يأتي بسبب الدعاية الحكومية، وكذلك أطياف من الشعب الايراني من الذين ترتبط مصالحهم المعيشية والايديولوجية ضمنيا مع النظام، ولكن هذا التحليل هو خطأ فادح وكذب على النفس ليس إلا.الملايين من المدافعين عن سليماني لا تربطهم أية صلات ايديولوجية وعقدية بالنظام، ولا كذلك مصالح معيشية، ما يجعلهم في صفوف المدافعين عن قائد فيلق القدس هو "التطرف القومي" لا أكثر.يذكر جايسون استانلي في كتاب "كيف تعمل الفاشية: سياسة نحن وهُم، أن جوهر الفاشية هو الوفاء للقبيلة، الهوية القومية، الدين، التراث وبكلمة واحدة الأمة! فإن خلافا لأنواع من القومية والتي تعني المساواة، فإن القومية الفاشية تنفي مبادئ الليبرالية الديمقراطية وتستبعدها، هذه القومية لا تخدم سوى السلطة وهدفها هو احتلال رأس الهرم في مراتب القوة والنفوذ وكذلك الحفاظ عليها."لا عجب أن الكاتب المعروف والمعارض للنظام البهلوي السابق وكذلك وزير خارجيتها آنذاك يصرحان بمدحهم لقائد فيلق القدس، فيقول الأول: " لقد كان انتباهي فقط لوحدة الأراضي الايرانية. وثمة نقطتان لا أبعد عنهما وهما الناس وكذلك حدود ايران السياسية.. وأن الأمور الأخرى (جرائم سليماني في سوريا) لا أعرف عنها شيئا ولا أريد مناقشتها."يصرح الآخر أن " الجنرال قاسم سليماني هو جندي وطني.. يجب على الانسان احترام بعض الأصول والأصول هي ما يتعلق ببلدي أنا فقط."
يمكن الفهم واضحا أن الشخصين اللذين تلا ذكرهما وعلى الرغم من اختلافهما الفكري ألا أنهما يريان أن الدم الايراني هو أغلى من الدم "الأجنبي" وأن ذبح واغتيال مئات الآلاف من الشعب السوري وكذلك تهجير الملايين وبمشاركة ومساعدة قاسم سليماني لا يعني لهم شيئا بل أنهما لا يريدان خوض هذا النقاش أبدا في دراسة الدور الايراني وتأثيره في تسبب كارثة بشرية في سوريا، إنهما يصرحان علنا على أنهما لا يريدان الدخول في هكذا نقاشات، لأن الأصول التي يحترمونها تتعلق بدولتهم وحدودها المقدسة فقط.هنا يتكشف وجه القومية الفاشية ويمكننا رؤية أن القوميين الايرانيين وبرغبة عالية يفضلون حماية "مواطنيهم" على حساب الآخر "اللامواطن". في الواقع تُعدّ الأخلاق بالنسبة لهؤلاء القوميين ليست عامة وشاملة بل أمر ذو خصوصية يتعلق بحدودهم القومية والجغرافية من الآخرين، ولا يتعدى حدود الدولة التي يأتون منها عموما.يجب على المثقف أن يسبح ضد التيار، وأن ينتقد القومية الفاشية دون الخوف من الشعور بالغبن والعار. إن الشيوعية سقطت في زمننا الحالي، لكن ثمة فكرة أخرى من القرن التاسع عشر تعود إلى السطح من جديد والتي لا تنطبق عموما مع الظروف الراهنة.تأتي هذه الأطروحة بمثابة مانع أساسي في سبيل تحقيق الوحدة وكذلك تحسين الظروف البشرية، فإن فوزالقومية الشعبوية في مختلف نقاط العالم من فليبين إلى بولندا حتى المجر وتركيا والولايات المتحدة والبرازيل توضح مدى توسع هذه الفكرة في العالم الجديد.


المصالح القومية والمثقف الايراني


إن قضية قاسم سليماني يمكنها أن تضعف التطرف القومي في ايران مستقبلا وأن تعيد الاعتبار للمثقفين، لكن يشترط الأمر أن يعدل المثقف الفارسي من طريقته السابقة والخاطئة، وهي التبعية والانجرار خلف العموم وأن ينتقد الحكومة والشعب على حد سواء. 

إن هؤلاء المثقفين يجب عليهم تقديم هذه الرؤية عن التدخلات العسكرية الايرانية في سوريا: في مارس ٢٠١١ وفي ظل أجواء الربيع العربي في المنطقة، خرج الآلاف من الشعب السوري إلى الشارع احتجاجا على قمع الحريات المدنية والمواطنة ولكنهم قمعوا من قبل النظام الحاكم. لقد دافعت منذ البدء الجمهورية الاسلامية الايرانية عن النظام السوري حينما رأت أن مصالحها المصيرية (النفوذ في لبنان والضعط على اسراييل) في خطر عبر المساعدات المالية، الاستشارية، اللوجستية والعسكرية، حيث وصل الدور الايراني العسكري في قمع الشعب السوري إلى أقصى حدوده عام ٢٠١٣. لقد تم تخمين عدد العسكريين الايرانيين وكذلك الميليشيات الموالية لايران مثل حزب الله نحو عشرة آلاف مقاتل في تلك الفترة. حتى هذه الفترة لم يكن ثمة هناك داعش ولا كذلك خطرا على الحدود الايرانية. في الواقع كل ما كان في الأمر أن نظاما غيرديمقراطي في سوريا كان يتكئ على حماية نظام غيرديمقراطي آخر يبرر تدخله العسكري خلف حدوده بآلاف الكيلومترات عبر استخدام ذرائع مثل العمق الاستراتيجي وكذلك المصالح القومية في ايران.
لا يجب أن ننسى أن كلما طال التواجد الايراني في سوريا كلما طالت قائمة الدول المتدخلة في الشأن السوري مثل السعودية، قطر، الامارات، تركيا، روسيا والولايات المتحدة عبر حجج مماثلة وهي المصالح القومية لهذه البلاد. في الواقع يمكن القول أن ما جعل الاحتجاجات السلمية في الشهور الاولى تميل نحو العنف في سوريا هو القمع الجائر للمحتجين من قبل النظام وبمساعدة ايرانية، فكلما زاد التدخل الايراني كلما اشتد العنف أكثر وأكثر. إن سوريا أصبحت الأن ساحة صراع لمصالح قومية وبين دول مختلفة، وأن المصالح الوحيدة التي يتم تجاهلها هي مصلحة الشعب السوري نفسه. إن هذه هي السياسة الواقعية التي تشكل أساس النظرية القومية الجديدة، تعتبر وعلى هذا الأساس وعلى غرار روما القديمة أن القوة هي ما تحدد الحق، وأن الدول يحق لها أن تتصرف كيفما تشاء للحفاظ على مصالحها القومية تجاه الآخرين.
ما رسم نهاية قاسم سليماني هي المصالح القومية للولايات المتحدة وكذلك منافسيه في المنطقة. كان قاسم سليماني من ضمن المتهمين بجرائم حرب تجاه الشعب السوري ولكن اغتياله كان اختراقا واضحا للقوانين الدولية. حينما تلجأ الولايات المتحدة إلى تبرير هذا الأمر عبر اللجوء إلى الذريعة المكررة وهي المصالح القومية يجعلنا أن نعيد النظر إلى خطورة التركيز على المصالح القومية في عالم متشابك ومتداخل في بعضه.. أو بعبارة أخرى فإن التركيز على المصلحة القومية لا يعني سوى الأنانية وكذلك عدم النظر إلى مصالح الجميع من الأمر.يطرح نوح حراري الكاتب الاسراييلي الذي يتكلم عن حضارة عالمية واحدة والذي يعتقد أن المشاكل العالمية جعلتنا مترابطين أكثر ببعضنا: ماذا لو كانت كل أمة تفكر في حالها، فمن سيفكر إذن في مشاكل العالم أجمع؟ لا يتقبل المثقف الحقيقي هذه المقولة أن الأهداف تبرر الوسائل بل يؤكد على أن تتناسب الوسيلة مع الهدف، وأن عزل الوسيلة عن الهدف هو نقص أخلاقي ليس إلا. وعلى هذا الأساس لا يجوز اغتيال أي أحد حتى الارهابيين ومجرمي الحروب، بل يجب محاكمتهم في محاكم عادلة لأن الهدف ليس الانتقام والتنكيل في نهاية الأمر بل تحقيق العدالة.إذا كانت القوات الأمريكية تبحث عن العدالة فكان من الأولى أن يتم اعتقال قاسم سليماني ومن ثم تقديم ملفه إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي أو أية محاكم أخرى في المانيا وفرنسا وذات صلاحيات قضائية عالمية.
كان يجب تسليم قاسم سليماني إلى المحاكم الدولية. تذكر ناثالي نوغرد حول هذا الأمر:" لا يهم كم ستقضي من الوقت حتى تأخذ العدالة مجراها لأن العقاب الجنائي بإمكانه أن يمنع المزيد من ارتكاب الجرائم. إن الاستمرار في جمع الشهود والوثائق هو عامل أساسي في الوقاية من تكرار الجريمة في مواجهة من ينكرونها." ولكن فكرة المصلحة القومية حالت دون تحقيق هذه الفرصة التاريخية وحرمت العالم من ذلك.في الفترة الأخيرة تم البدء في محاكمة بعض المسئولين الأمنيين السوريين في مثل هذه المحاكم، وأن محاكمة سليماني بمثابة أحد الوجوه المتهمة في قمع المعارضين لنظام الأسد كان يمكنها أن تكون نقطة حاسمة في تعقب السلسلة الجنائية لجرائم الحرب في سوريا. ولكن للأسف لم تعمل الولايات المتحدة وفقا لهذا المبدأ، بل رغما على اختراقها للأصول الحقوقية والأخلاقية (تحقيق العدالة وضرورة العدول عن الثأر) أثرت سلبا على انعكاس قمع المواطنين الايرانيين، وكذلك المساعدة في إنعاش مشروعية النظام مؤقتا والأهم من ذلك تجاهل مصلحة الشعب السوري في هذا الأمر.

إن حب الوطن والوطنية هو أمرغريزي ومحبب، فإن الأم التي تمنح طفلها المحبة تتصرف بشكل غريزي وإن لم تفعل فتستحق المساءلة لكن إذا كانت تعمل ذلك على حساب معاداة بقية الأطفال فإنها ترتكب خطأ فادحا. والقومية كذلك، يجب أن يتم الفصل بينها وبين الوطنية. إن القومية تمزج بين حب الوطن ومعاداة الآخرين، ولكن الوطنية تأتي خلافا لذلك.إذا كان باستطاعة المثقفين أن يدخلوا هذه المفاهيم في عقلية الشعب الايراني وأن يهمشوا القومية المعادية للآخرين فإنهم يحققون عبر ذلك هذه المهمة ألا يكون أي عسكري بمثابة بطل قومي. لأن السلام والعدالة وقبول الآخر وكذلك حب الآخرين ستكون البدائل للعنف والثأر والتكبر ومعاداة الآخرين.

 في مثل هذه الظروف سيدرك الايرانيون أن مصالحهم لا تختلف عن مصالح الآخرين وأن مصالحهم تتشابك وتترابط ايجابا وسلبا مع البقية في العالم. 

الشباب الايراني الذي يتربى على هذه المفاهيم سوف يسأل من الآباء والأجداد " عندما كان النظام الظالم ومن أجل الحفاظ على قوته وسيطرته يذبح ويقتل عشرات الآلاف ويشرد الملايين في البلاد الأخرى، لماذا لم تفعلوا شيئا؟ لماذا قبلتم أن يتم بيعكم الأمن والأمان على حساب الدم العربي السوري؟ "

إن طرح هذه الأسئلة يعني نضج الأجيال القادمة، في مثل هذه المجتمعات يكون فيها بهرام بيضايي، نوش آفرين انصاري، شاهرخ مسكوب، توران ميرهادي، محمد بهمن بيغي، والآخرون رسل الابداع والحياة، وسيمحى أثر متاجري الدمار والموت من هذه القائمة إلى الأبد.


ترجمها عن الفارسية: يوسف السرخي

المصدر: بی بی سی فارسی