المشروع الأمني الشامل، أهداف وتحديّات




يوسف السرخی 

العقلانية، الوسطية، الإعتدال، الواقعية، دلالات حاولت إدارة الرئيس روحاني تبنيها، وتضمينها ضمن خطابها الإعلامي والسياسي، خلال الحملة الإنتخابية الرئاسية في العام 2013. والتي تبنت على إثرها برامج تسعى بالدرجة الأولى إلى تحسين الوضع المعيشي العام، عبر الحديث عن مشاريع اقتصادية، وسياسية، وأمنية، عرفت بعد ذلك ب(المشاريع الوطنية للتنمية المستدامة ). والتي تهدف الحكومة عبرها، التوصل إلى حلول عقلانية، ومعتدلة، على حد زعمها، حلول باستطاعتها أن تساعد على صيانة الأمن، والإستقرار المجتمعي؛ والسياسي في أيران، وإبعاد الأخطار المحتملة من قبل المعارضة السياسية في الداخل والخارج، بما في ذلك خطر الحركات الجهادية والسلفية. نظرا لموقعية إيران الجغرافية وجوارها لدول تعاني من تهديدات وجودية وبنيوية، كالعراق، وسورية، وأفغانستان. حاولت الحكومة الايرانية عبرالحديث عن تنفيذها لخطط إقتصادية وسياسية مستقبلية، وكذلك تفعيل المواد المعطلة من الدستور الوطني الإيراني(المادة 15و 19)، اللتان تنصان على ضرورة التعلم بلغة الأم للشعوب غير الفارسية، وكذلك السماح بتشكيل أحزاب واتحادات مستقلة عن أجهزة الدولة ورقابتها، و كذلك إصرارها على الخصخصة في مجال الإستثمار المحلي والوطني؛ والتي تنص عليها المادة( 44) من الدستور، إلى إزاحة كافة الآثار السلبية التي خلفتها السياسات المتشددة للحكومات السابقة، أبرزها حكومة احمدي نجاد، المؤيدة من قبل المرشد والحرس الثوري. مما دفع الكثيرين، بما في ذلك المجتمع الدولي، إلى تعليق آماله على الإدارة الجديدة، في التوصل إلى حل بشأن أزمات إيران الداخلية والخارجية، أزمات شرق الأوسط، والأهم من ذلك برنامج إيران النووي.

التنمية المستدامة _ مشاريع وخطط

قدم أصغر افتخاري، رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للوزارة الداخلية في حكومة روحاني، عام 2015 ، المشروع الوطني للتنمية المستدامة في ايران، باعتباره المشروع الأول والأهم بالنسبة للوزارة الداخلية، وقال أن المشروع ستتم مناقشة من قبل الوزارة المعنية عبر تأكيدها على قيم التشاور والعمل المشترك، وبهدف إستثمار الطاقات المحلية في المحافظات التي سوف تكون هدفا و محل تنفيذ لهذا المشروع. وفي نفس السياق، ربط وزير الداخلية الإيراني، رحماني فضلي، قبل ذلك بعام، المشروع الوطني، بضرورة صيانة الحدود والعمل على تنمية المدن والقرى الحدودية في إيران، كخطوة هامة في سبيل تحقيق الأمن والإستقرار في البلاد، مشيرا إلى أن الإستثمار العام وكذلك توفير فرص العمل التي قد تساعد على زيادة الإنتاج المحلي، تعد من ضمن أولويات هذا المشروع، مؤكدا على ضرورة الإجماع الوطني والإقليمي لإنجاح تنفيذ المشروع الوطني للتنمية المستدامة في إيران. وفي الإجتماع ذاته، ربط نائب وزير الداخلية، حسينعلي أميري، المشروع، بضرورة إعادة ترسيم الحدود للمحافظات. وليعيد بذلك طرح خطة التقسيم، التي طرحها مساعد الوزير الداخلية الإيراني لشؤون التنمية والموارد البشرية قبل ذلك بعامين، جواد ناصريان، والتي طالبت بتقسيم إيران إلى خمس مناطق، بدلا من إحدى وثلاثين محافطة، وذلك لادعاءات إدارية وتنمويه بحتة. تم السكوت عن هذه الخطة إثر رفض واسع تلقته من قبل النواب في البرلمان، وذلك لتخوفهم من إحداث ردود فعل حادة من قبل الشعوب غير الفارسية، و ذلك لما تتضمنه الخطة من تهديد لخصوصيتهم القومية والمحلية وما تحمله من دلالات تفهمها الأغلبية على أنها خطوات واضحة وصريحة في سبيل تنفيذ مشروع التغيير الديمغرافي الذي تنتهجه إيران منذ إنشاء دولتها الحديثة حتى يومنا هذا.

(مشروع التمنية المستدامة في الأحواز (خوزستان

وفقاً لما تناولته المراكز الإعلامية الفارسية في الإقليم على مر عامين، صرّح العديد من المسئولين الإيرانيين عن بدء تنفيذ النسخة المحلية من مشروع التنمية المستدامة في الأحواز. وفي تصريح للمحافظ السابق، عبدالحسين مقتدايي، في إجتماع ضم العديد من الوجوه الفاعلة في المشروع، من ضمنهم مساعد الرئيس الجمهورية والمتحدث باسم الحكومة الايرانية، محمد باقر نوبخت، قال: أن المشروع يستهدف 17 منطقة في الإقليم، تُعرف بتردي أوضاعها الإقتصادية، والمعيشية، والأمنية، كما أكد على عزم الحكومة في إنشاء مشاريع إقتصادية في المنطقتين الحدوديتين مع العراق، شلمچه والچذابة، و كذلك إنشاء ميناء هنديان، ومشاريع إقتصادية أخرى، بإمكانها أن ترفع من المستوى الإقتصادي، وتحسّن الوضع المعيشي في تلك المناطق. وفي نهاية حديثه أكد المحافظ على ضرورة مواجهة التحديات البيئية التي تواجهها المحافظة، مثل العواصف الترابية والتصحر المتزايد الحاصل عن تجفيف الأنهار والأهوار، وذلك بسبب بناء السدود غير المشروعة علي نهري كارون والكرخة، اللذان يعدان المصادر المائية الرئيسية للإقليم. و من ضمن المشاريع الإقتصادية التي يتضمنها مشروع التنمية المستدامة في الاحواز، هي إعادة تأهيل الأراضي الزراعية بحجم 550 الف هكتار مربع، و الذي سمي لاحقاً بمشروع (مرشد الثورة).

مشروع التنمية المستدامة في الاحواز حسب الوثائق المسربة

تحليل ودراسة جذور عوامل، نظير الفوضى، الإدمان، السرقة، وجرائم القتل، تعد بمثابة أسباب رئيسية في تدوين و إطلاق هذا المشروع. وعلى هذا الأساس تم إيجاد استراتيجية خاصة للتصدي، وكذلك الوقاية من حدوث أزمات قد تسببها الأفكار الإنفصالية التجزئية في الإقليم.قدرت الله دهقان _المساعد الأمني للمحافظ في الأحواز، اكتوبر 2014الخطة الأمنية الشاملة، مشروع الغدير الشامل، مشروع التنمية المستدامة، تسميات تطلقها السلطات الإيرانية على مشروع واحد، وفق وثائق سربها ناشطون أحوازيون بعد إطلاعهم عليها، ونشرها على شبكات التواصل الإجتماعي. والتي أحدثت اضطرابا ملحوظا لدى الاستخبارات الإيرانية بسبب فضح المخططات التي تضمنتها الوثيقة في 45 صفحة. تم فيها شرح وبيين الأهداف والتحديات الاقتصادية، والسياسية، والثقافية، والاجتماعية، التي بإمكانها إعاقة سبل تنفيذ المشروع، والتي كان لابد من خلق آليات لمواجهتها وإحتوائها، بعد أن أقرت الوثيقة التي صادقت عليها جهات أمنية وسياسية، بالاضطهاد السياسي، والبيئي، والثقافي، والمذهبي، وضرورة الحد من التهديدات التي قد تسببها هذه الانتهاكات في المراحل القادمة. تأتي الحلول في الوثيقة بهدف خلق أجواء نمطية من الإنفتاح الثقافي والسياسي والاقتصادي، مؤكدة على ضرورة اتخاذ خطوات جادة من قبل السلطات المحلية، وبدعم من المركز، في سبيل تسهيل عملية الإستيطان الواسعة، وبهدف التغيير الديمغرافي الشامل في مناطق يقطنها العرب حتى يكونوا أقلية على أرضهم.الإستياء المجتمعي العام، الاضطرابات القومية والمذهبية، إلإشتباكات المسلحة وازدياد حدة عدم الشعور بالأمن والإستقرار، الفقر وتزايد حالات العنف المجتمعي، دور شبكات التواصل الإجتماعي في خلق الوعي النقدي لدى الجماهير، وعكس حالة الحرمان التي يعاني منها الشعب العربي، تفاقم أزمة البطالة بسبب استيراد العمال من محافظات وقوميات أخرى، تقاعس السلطات في إعادة إعمار وتأهيل المدن والقرى المتضررة بفعل الحرب الايرانية _ العراقية، والعمل على عودة النازحين إلي المناطق الحدودية، ازدياد قدرة المعارضة المدنية والعسكرية في الداخل، والخارج، عبر ارتباطها بمجاميع دولية وإقليمية، وجهات حقوقية، وسياسية، محاولة وبشتى الطرق كسب تأييدها من أجلالاعتراف بقضيتها العادلة، ظاهرة تغيير المذهب، النشاط المدني المستقل عن أجهزة الدولة ورقابتها، العواصف الترابية والأضرار البيئية الناجمة عن السياسات الاقتصادية الخاطئة، مصادرة الأراضي والسعي نحو تغيير ديمغرافية الاقليم على حساب العرب، والتي أثارت سخطهم واستياءهم وعدم ثقتهم بالدولة عبر الزمن، تجفيف الانهار والأهوار و... تحديات إعتبرتها الوثيقة حجر عثرة أمام تنفيذ وتطبيق (المشروع الأمني الشامل )، الذي كشف حقيقة مشاريع التنمية الشاملة التي طرحت من أجل تحسين الوضع المعيشي والاقتصادي من قبل حكومة روحاني.ومن خلال إطلاعنا على الحلول التي ناقشتها الوثيقة المسربة، بات الصورة واضحة للفاعل العربي، أن تلك الحلول جاءت بمثابة ضربة شاملة وقاضية، في سبيل احتواء الوجود العربي وتثبيط فاعليته إزاء الغائه الثقافي والسياسي والاقتصادي، وفي النهاية التخلص من أي تهديد قد تواجهه الدولة الإيرانية من قبله في ظل ظروف إقليمية محتدمة، قد تنقلب فيها المعادلة، وفي أي لحظة ضد إيران، وسياساتها العنصرية.